مقال بقلم د. غادة ناجي طنطاوي

المصفوفة المبهمة
د. غادة ناجي طنطاوي. Ghada_tantawi @

رحل شهر رمضان عَنَّا.. طوى برحيله صفحات من ذنوب البعض.. وكلنا أمل في الله جَلَّ وعلى أن يُبدِلنا صفحات جديدة، طمعًا في الحصول على أجر الثواب والمغفرة، عَلَّنا نكون في زمرة من يتسلمون كتابهم بيمينهم.

في كل عام ينتظر البعض حملات الإعلان عن مسلسلات رمضان التي تنتشر بشدة وتصيب الجميع بالحمى والتشتت الذهني، بسبب تعارض أوقات عرض مسلسل بَطَلُكَ المفضل مع أوقات صلاة التراويح والتهجد، مع العلم بأن جميعها تصبح متاحة على أغلب المنصات الإعلامية بعد انتهاء هذا الشهر، لكن لِشَيَاطِينِ الإنس لذةٌ خاصة في متابعتها في رمضان تحديدًا، حتى لا يفقدوا شعورهم بالأمان!! وكأن البعض سَيُتَوجُ بطلًا في معرفة أحداث كل مسلسل.

قررت مؤخرًا أن ألقي نظرة خاطفة على بعض المسلسلات نظرًا لضيق الوقت وهالَنِي ما رأيت..!! ولا أعلم من أين أبدأ..!! هل أتحدث عن بعض الرسائل المشفرة من خلال بعض الإعلانات..؟؟ بدءًا من إعلان فنانيس الذي عشقناه صغارًا وكبارًا، ومازالت شخصياته مرتبطة في أذهاننا بالشهر الكريم ..؟؟ رسومٌ متحركة تستهدف الفئات العمرية الصغيرة، وكأنه فيلم كرتون يمثل حديث تميم الداري -رضي الله عنه- بغض النظر عن صحة متن هذا الحديث، مع بعض الإضافات المستهجنة إرضاءً لبعض الفئات.
غرابٌ يستطلع الأفق لقومٍ تاهوا في البحر، مُمَثَل في شكل (ياسمينا) عصفورة سندباد التي نعرفها منذ الصغر، حوتٌ يقفز حولهم، موافقةٌ لما ذُكِر في بعض الكتب السماوية، بأن الدنيا على ظهر حوتٍ بين قرني ثور..!! جزيرةٌ مجهولة يُطِل منها كائنٌ غريب بعينٍ واحدة مُرَحِبًا بالجميع من قلعةٍ مهجورة، وكأنه لملاقاتهم بالأشواق.!! ثم مدينةٌ تحتفل بمفرقعاتٍ نارية، وكأنما تُعلِن عن النظام الجديد ترحيبًا بذاك الكائن.. ولا داعي لذكر المزيد..!! 

ثم نأتي لموضوعٍ راج بشدة في الآونة الأخيرة، فلا يخلو مسلسل أو فيلم من بعض المشاهد التي تتحدث عنه..!! موضوع السحر، الشعوذة والطلاسم.
مسلسلٌ مشهور لفنانةٍ صف أول، معها بعض الوجوه الجديدة التي تم احتسابها في مجال التمثيل..!! والبعض من الدرجة الثانية، الذين لا أذكر أسمائهم حتى..!! مسلسلٌ ينقصه الكثير والكثير، بدءًا من الحوار، الحشو الفارغ للأحداث، الإخراج السيء، والأهم عدم وجود قصة من الأساس..؟؟ أحداثٌ سخيفة وغير معقولة، تنتهي بأغنية شعبية سخيفة لم أعلم حتى الآن مالغرض الحقيقي منها، سوى الإستمرار في مهزلة مافيا الإنتاج..!!
مسلسلان آخران، بنفس النهج، أحدهما يتحدث عن حالة تلبس، والآخر يساعد على نشر نبوءة -إن صح لي القول-. وللمرة الثانية، يتكرر مشهد السفينة التي ترسو على شاطيء جزيرة، لتظهر شخصيةٌ مثيرةٌ للجدل مرةً أخرى، كل حديثها مبطن بكلماتٍ ورسائل غريبة، واللبيب بالإشارة يفهم..!! ولن أذكر المزيد..!! فدونًا عن كل شهور السنة، رمضان هو الأنسب لطرح تلك المواضيع حتى نحافظ على حضور إبليس بطريقةٍ ما.
مسلسلات أخرى مُنِعَت من العرض أو تم إيقافها بعد الحلقة الثالثة، فمحتواها لا يتناسب مع الشهر الكريم..!! ضحكت من هذا القرار حتى سمع أهل الشام قهقهتي..!! نحن فقط نسمح بعرض الخرافات.. أما الفضائح الجنسية والعلاقات المشبوهة التي بات عرضها مباح تحت شعار (أحداث مستوحاة من الواقع، أو دراما تمثل المجتمع)، والتي اعتدنا مشاهدتها مؤخرًا، تخالف المبدأ الأساسي لهذا الشهر..!!
قرار بمثابة ستار يعطي الفضل للقائمين على تلك المسرحية الفارغة، لإقناع الناس أنهم أصحاب منصبٍ عالٍ وقرار مؤثر.. برافوا والله..!!

تركت القنوات العربية واتجهت لشبكةٍ عالمية أجنبية..!! وبالطبع كانت الكارثة أعظم.. فلا وازع ولا رادع..!! وهنا اكتمل النِصَاب..!! الجزء الأخير من مسلسل الشيطان..!! اختلط الحابل بالنابل.. سادت مفاهيمُ ضرب كل الأديان، ومعتقدات حتى تخالف الفطرة السليمة التي غدت فضيلة مستهجنة إن تحليت بها..!!
مسلسل يتحدث عن سقوط مَلَكٌ مزعوم من السماء..!! ضاق ذرعًا بتصرفات أبيه، وقرر أن ينشق هو وفصيله عن هذه الشرذمة، ليستقر على الأرض ويتخلى عن نزعته الشريرة.. وهنا.. يجب عليك أن تتحلى ببعض العاطفة الإنسانية وتشفق على الشيطان.. لأنه ظُلِم بقرارٍ متعسفٍ من الله
-تعالى الله عما يصفون- وقد حُكِم عليه بديمومة اللعن والعذاب الأبدي..!!
ثم نأتي لمسك الختام.. لنجد حواء تقرر ترك آدم عليه السلام، فقد سُلِب منها حق القرار لأنها خُلِقَت من أجله وحُرِمَت حق الإختيار، فقررت النزول من الجنة إلى الأرض لتلتقي حبيبها السابق وهو الشيطان..!! أي منطقٍ هذا..؟؟ ومالغرض من تلك الرسائل..؟؟

لقد قمنا بالطبع بإيجاد جميع الحلول للمشاكل للبشرية، عالجنا مشكلة البطالة ونحن مقبلون على عصر الذكاء الإصطناعي، اتخذنا اجراءات احترازية من بعض الأوبئة التي تم تصنيعها بواسطة البشر، أوقفنا معضلة الإحتباس الحراري، أنهينا جميع الحروب التي دمرت العالم لفترةٍ طويلة، خلقنا عالمًا افتراضيًا وقمنا بالترويج عنه (ميتافيرس) حتى نرضي جميع الأذواق وننهي مشاكل الفرد مع المجتمع، اخترعنا مشاريع تهدد البشرية مثل؛ (هارب للتحكم في الطقس، الشعاع الأزرق لهدم المعتقدات الدينية والمشروع الكارثي سيرن، الذي سيعيدنا إلى جزيء الصفر لبداية العالم) ولم يتبقَّ علينا سوى مسألة الأديان..!! فهي مسالة عميقة تستوجب سرعة التفكير والدقة في التنفيذ.

نعيب على الغرب تنصلهم من أديانهم بكل شدة.. ومع ذلك نتحرى الدقة في تقليدهم..!! حتى أصبحنا هجينًا لمصفوفة الشيطان..!! أخبروا ابليس بأن يطمئن.. فأتباعه من البشر يكملون مسيرته بكل تفانٍ وإخلاص..!!

تعليقات