قصة قصيرة هبوط و صعود محمود و العم مسعود // علي تبحيرات

 قصة قصيرة

هبوط و صعود محمود
و العم مسعود
استفاق العم مسعود على صوت آذان العصر تحت شجرة التوت الوحيدة المتبقية ببلدته الصغيرة ... تذكر لماذا نام هناك وقت زوال و تذكر منظر اللوحة بباب الدكان :
"ممنوع الطلق و الرزق على الله "
زفر و ناجى نفسه :" مهما تأجل الأمر سأعود إلى الأولاد خاوي الوفاض".
من الجهة الأخرى حياه شخصان يسرعان في اتجاه المسجد، ناداه أحدهما " هيا عم مسعود تأخرنا عن موعد الصلاة " لم يأتيهما جواب فأكملا طريقهما يتهامسان:
- الشقي لا يجد عملا و لا يجيد حرفة... يقولون أنه كان صنديدا قويا بقدر ما كان غرا بسيطا يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب فلا يضرب حسابا لغده سخي ندي حد السخافة و متصدق باسط يده حد البلادة ، و قد بقي على حاله ،يوثر على نفسه حتى بعد إملاقه و وهنه و ذهاب صحته حتى صار كما ترى عاجزا على ضمان قوت يومه .... اللهم عفوك و رضاك !
- اسمع صديقي انت وافد على المدينة، و الشباب أقرانك لا يعرفون الجزء الأهم من قصة العم مسعود ، أنت طبعا لم تسمع قط بالشاب محمود يتيم الأم ابن شيخ القبيلة لأنه هاجر منذ زمن بعيد ... كانت زوجة أبيه تكيد له و تحرض عليه أباه ...إلى أن عاقبه شيخ القبيلة إستجابة لنزوات زوجته بأعمال شاقة تمثلت في تنقية أرض الجرف " المسكون"من الحجارة و هو حرف ملعون يتحاشاه الناس و تسمع فيه ليلا اصوات الموتى و تهتز الصخور ... نعم أمره بجمع الحجارة و حرث الأرض العصية ...
- و ما علاقة العم مسعود بهذا؟
- لم يستطع أحد أن يفعل أو يقول شيئا و لا حتى أعمام الفتى و أخواله و لبثوا لابدين متفرجين ، لكن مسعود ذهب إلى الجرف و اشتغل عوض محمود و ساعده و لم يجد الخدم بدا من التستر على الأمر حبا في محمود ( المسكين ) و رأفة بمسعود ( الطيب الهمام ) ...لكن عند منتصف القطعة ارتطمت سكة المحراث الخشبي العتيق أمام مسعود المتصبب عرقا بآنية من خزف تطايرت شظايا و تطايرت منها قطع ذهبية !
هب محمود من قعدته و مسعود مشدوه ينظر إلى عيني محمود الجاحظتين تارة و تارة إلى قطع النقذ الذهبية القديمة ... تراقصت عينا محمود فصاح فيه:
- ويحك اسرع بإحضار كيس من بيتك نأخذ فيه الكنز إلى شيخ القبيلة فيجازينا أحسن الجزاء ... و لا تخبر أحدا أبدا !
عاد مسعود و الكيس في يده ليقف مشدوها فاغرا فمه : لا محمود هناك و لا دابة و لا ذهب ... و جلس يردد كالمعتوه :
" ذهب محمود و ذهبت الدابة و ذهب الذهب ذهب محمود و ذهبت الدابة و ذهب الذهب ...اللعنة اللعنة ! ماذا عساني أن أقول للشيخ ؟ أين ابنه و أنا آخر من رآه ؟ و هل يجوز لي أن أجهر بالحقيقة فأصبح الواشي الجديد ؟!
ليذهب محمود و تذهب الرذيلة و لتذهب الدابة و ليذهب الذهب و يذهب شيخ القبيلة إلى الجحيم! "
انتبه شيخ القبيلة إلى عدم عودة ابنه للغذاء هو الذي خرج فجرا بدون مؤونة و لا ماء فصعد إلى سطح بيته متطلعا إلى الجرف حيث لا أثر لمحمود و لا دابة .. فقط لمعان خافث لسكة صدأة من محراث قديم و بريق أعماه حتى دمعت عينه منبعث من نقطة في آخر خط الحرث ... انتفض الشيخ و هب مسرعا إلى جواده و انطلق كالسهم إلى الجرف حيث توقف مشدوها أمام قطعة ذهبية من السك القديم فتمتم : ،" وجد كنزا ...جزاء صبره على ظلم و عدوان زوجة أبيه و لعنة لي على ضعفي أمام زوجتي !"
أخبر الخدم الشيخ بأمر مسعود و قالوا أنه عاد إلى بيته بكيس فارغة لا يكلم أحدا و لا يلتفت لأحد ، فأحضروه إليه حيث رمى أمامه على الطاولة قطعة الذهب التي بقيت في مكان الجرة المكسورة :
- مسعود أعرف ماذا وجدتما و لكن لماذا لم تذهبا معا أو يترك لك نصيبك ؟
- أمرني أن أحضر كيسا نجمع فيه قطع الذهب لنأتيك بها فتجازينا أنت أحسن الجزاء !
- ويحك يا غر و ما أبلدك ! كيف صدقته ؟
- و كيف لا أثق فيه و هو ابن شيخ القبيلة البكر !
التفت الشيخ إلى الخدم و صاح مزمجرا :
- أكرموه و أولاده جزاء على عمله و إخلاصه شريطة أن يكمل الحرث و هيئوا لي قعدة بجانب الجرف حتى أراقب عمله...
كان مسعود يواصل الحرث و هو يقسم أن لا يساعد بعد اليوم أحدا و الشيخ يمعن النظر طمعا و يمني النفس بالعثور على كنز آخر... منذ ذالك التاريخ ساءت نفسية مسعود و ساءت صحته فكره الذهب و المال و النقود ...لا يعمل الا للحصول على مستلزمات البيت الضرورية إلى أن تغيرت أحوال البلدة و لم يعد يجد عملا و الناس قد تأففت من تعففه يضع يداه خلف خاصرته حتى لا يأخذ أو يهم بأخذ صدقة أو أعطية ! هذه قصة الشقي التقي ...فريد العود المشهور بالعم مسعود ... و المسكين منذ أن جلب الماء الغربيين الذين أمسيا و باتا قرب شجرة السرو غير بعيد عن شجرة التوت لم يجد عملا و لو بفلس أو نصف رغيف ...
اللهم انعم علينا بحسن الخاتمة ! آه. كدت أنسى. بعد سنوات طوال جائنا خبر كالصاعقة. : محمود ابن. شيخ القبيلة الذي هرب بالدابة و الكنز ... عاش بين كبار الأثرياء في مدينة كبيرة بعيدة و صار من أعيانها و كون أسرة و اصبح يتباهى بأمواله و بنيه ...لكن الطمع طاعون كما يقول الأولون :دخل محمود في مضاربات كبيرة خسر على إثرها كل أمواله و ممتلكاته ...و لكي يبقي شيئا لأبنائه تعمد رمي جثته تحت عجلة سيارة يعرف أن عليها تأمينات كبيرة يستر بها أبنائه عورة حالهم .
عندما وصل المتهامسان إلى المسجد كان المصلون يغادرون و قد فرغوا من صلاتهم بينما العم مسعود يجلس القرفصاء غير بعيد عن شجرة التوت حيث نام ، يمعن النظر إلى كيس تعثر فيه حتى وقع على وجهه ، كيس لا يمكن لبشر و لا جان أن يتوقع محتواه أو يصدق أن العم مسعود و جده غير بعيد عن الشجرة ...
راح العم ينظر إلى الكيس ثم يتطلع إلى السماء متألما من الحيرة ثم أقفل الكيس و نهض غاضبا منتفضا :
-اللعنة ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ....هذا ليس لي !
فهب مهرولا يقصد دار الجماعة حيث بيت الحاكم و بيت القاضي دق باب بيت الحاكم ، فتحت الباب الضخمة و ظهر بواب عملاق صد العم محمود بوقاحة رد عليهابالزعيق ..حضر الخدم و تعالت الأصوات ... أطل الحاكم من شرفة فاخرة :
- ما هذه الجلبة ؟ آه ما بك مسعود الشقي؟
- انا تقي نقي سيدي الحاكم ! وجدت هذا و أحضرته لدار الجماعة .
و رمى بالكيس عند أقدام الخدم .اندهش الجميع فتراجعوا و افسحوا الطريق للعم مسعود الذي أعاد في الكيس محتوياته النفيسة و دخل دار الحاكم كأمير أو نبي . نادى الحاكم عدلا لتدوين شهادة مسعود و سجل محتويات الكيس قطعة قطعة و ما كاد ينهي العد و التوثيق حتى سمعت جلبة كبيرة و صياح كثير عند الباب ثم أدخل الخدم شخصا جاحظ العينين يتطاير الزبد من شفتيه و هو يصيح:
أين الثاني؟ اين الثاني ؟ أنا فقدت كيسين إثنين ضاعا مني على الطريق ! يا لوعتي يا ويح أبي ! كيف يا رب تسمح بأن يضيع رزقي ؟ سرقني البليد مسعود اللعين !!! سرقني سرقني !
سقط مسعود على الأرض ينظر إلى المدعي تارة و إلى الحاكم تارة ثم إلى السماء فيضرب يدا بيد ( لا حول و لا قوة ألا بالله العظيم) .
شاعت القصة في البلدة و انتشرت كالنار في الهشيم و الناس يهرولون إلى دار الجماعة فضولا و طلبا للفرجة ... أقارب المدعي يتوعدون و زوجة العم مسعود و أبنائه يولولون ، طلب الحاكم جناب القاضي الذي جاء للضرورة و القسر و ظروف استعجال القضية رغم الحمى و المغص .
سرد العم مسعود وقائع يومه من الفجر إلى النوم زوالا تحت شجرة التوت الوحيدة في المدينة لعدم قدرته على العودة إلى أبنائه خاوي الوفاض بعد أن رفض صاحب الدكان إمداده بطحين و عدس وجبة غذاء لعدم سداد دين سابق... و كيف لم يذهب لصلاة العصر لعدم يقينه من الحفاظ على طهارة أو وضوء و صرح في استحياء أنه يستمني كلما نام زوالا وقت عسر وشدة ، و كيف أنه سار دون وجهة فتعثر في الكيس فراودته نفسه لإملاقه و عوزه و حاجته و كيف تجلد و قاوم و كابد و قرر أن يأتي بالكيس لدار الجماعة حتى يظهر صاحبه الذي ضاع منه ! كان صوته يخفث شيئا فشيئا و ما أن أنهى كلامه حتى سمعت حشرجة خشنة ثم خر مغميا عليه ...عالجوه بماء بارد و أسندوه إلى الجدار و أعطيت الكلمة للمدعي الذي انفجر كالرعد فلعلع صوته : يعرفني الجميع تعرفونني جميعا ...انا ابن الأكابر لا أطمع في أحد ! ضاع مني كيسان و هذا اللعين أحضر واحدا و أخفى الثاني حتى أقنع به و لا أسأل عن الثاني ، و لكني لقاتله إن لم ترجعوا حقي أو يعيد لي الكيس الثاني ...
أغمي على القاضي من شدة مرضه ... فأمر الحاكم السجان بجلد العم مسعود حتى يعترف و أمر بتفريق الحشود معلنا إجراء محاكمة علنية في ساحة الحفلات بعد تعافي القاضي.
في اليوم الثالث خرج المنادي في الناس يعلن موعد المحاكمة بعد صلاة العصر .قبل صلاة العصر من اليوم المقرر كانت الساحة ممتلئة ، أذن المؤذن فأقيمت الصلاة و المصلون خلف الإمام سبعة : الحاكم و القاضي و مدير السجن و أربعة من العامة .
أسر الحاكم للقاضي :
- " ترك القوم الصلاة و اعتكفوا في الساحة ينتظرون المحاكمة ! إنه لأمر خطير و جلل فما العمل ؟"
رد القاضي مبتسما :
- ماذا تعرف عن الشخصين ؟
- المسمى العم مسعود شقي بئيس غر بليد معوز متعفف على الفاضي ...بينما الشخص الثاني تاجر معروف و ملاك كبير ...حسب المعلومات التي جمعها أتباعي ...
- لا سيدي الحاكم ... العم مسعود انسان صادق مخلص طيب كريم أضحى زمن الجور و العقوق و ضياع الحقوق غرا بليدا يثير السخرية ، يداه دائما خلف خاصرته خشية ضعف فيقبل صدقة ... أما الثاني فمرابي ماكر و ألعبان فنان و فاجر مقامر حجر على أبيه و احتال على إخوته ليأخذ لوحده كل أملاك و أموال أبيه ...
ما أن قال القاضي هذا حتى وجدا نفسيهما في مواقعهما على المنصة
نودي على المدعي فتقدم و نودي على المدعى عليه فنهض متعبا واهنا تعلو وجهه الكدمات لا يستطيع الوقوف و ما أن رأى القاضي ذالك حتى أمر بإحضار أريكتين ،واحدة له لحاله المزرية و الثانية لخصمه حتى لا يحسب المدعي والناس ذلك انحيازا لطرف .
بعد بسملة القاضي وقف اربعة رجال و طلبوا تصريحا قد يفيد العدالة .أمر القاضي بإحضارهم المنصة واحدا تلو الآخر و قد فطن أنهم الأربعة الذين صلوا العصر بالمسجد قبل قليل و عندما سمع منهم أعطاهم الكلمة ليشهدوا أمام الملأ أنهم رأوا العم محمود يصلي الفجر ثم رأوه يبحث عن عمل إلى أن مروا به نائما تحت شجرة التوت استحياء من دخول بيته خاوي الوفاض و أن اثنان منهم قد شاهداه يجلس القرفصاء
و عند قدميه كيس تأمله ثم نهض مهرولا إلى دار الجماعة ...شكرهم القاضي و بعد أن استمع للمدعي الذي أطنب و أكثر القول.
ثم أعطى الكلمة للمدعى عليه الذي لم يقل شيئا مما أثار غضب الحاكم الذي صاح فيه :
-لماذا سكوتك ؟
أجابه العم مسعود بعد مجهود ملحوظ :
- ما هو بسكوت إنما هو صمت ...قدر و سعد العم مسعود !
أسر القاضي للحاكم بشيء فأومأ الحاكم بالقبول ، وقف القاضي يعلن الحكم :
*** انت يا هذا ضاع منك كيسان ، متى وجدنا الكيسين أعدناهما إليك ، فهما لك و انت صاحبهما لا ينازعك فيهما أحد
أما أنت أيها العم مسعود فقد وجدت كيسا واحدا و قدمته للجهات الوصية و لم يظهر صاحبه فهو لك شرعا ، فاسعد بما وجدت !
علي تبحيرات
جرسيف المغرب في 09 غشت 2021

تعليقات