طائرا الحبِّ . // عبد الله سكرية .

 هذا النّصُّ شرحتُه لطلّابٍ علمْتهم ،وكان تطبيقًا لمحورِ الحِوار .

طائرا الحبِّ .
_ أراكَ مبتسمًا !؟
_ وهلْ صارَ الابتسامُ أمرًا غريبًا ؟
_ أبدًا ! هل لي أنْ أعرفَ ما الذي يُفرحُكَ ، وأنتَ جالسٌ وحدَكَ، في هذا الوقتِ من النّهارِ ؟
_ تعالَ ، وشارِكْني ابتساماتي ، وانظُرْ إلى غصنِ تلكَ الشّجرَةِ المُنتَصبَة ِهناك . ذلك الغصنُ العلويُّ الذي يَحتضِنُ ما يَحتضِنُ ! أُنظُرْ، إنّهما عصفورانِ يَتجاذبانِ ، على ما يَبدو، أطرافَ الحديثِ !.
_ أطرافَ الحديثِ ؟ هما يتكلّمانِ إذًا ! شيءٌ غريبٌ . لعلّكَ تَهذي أو تَهذرُ ، أو تطلقُ دعابةً تظنُّها مسلّيةً ولطيفةً ؟!.
_ الغريبُ هو ما تقولُ ! وكأنّك لا تعرفُ ،أنّ على الغُصنِ طائرَيْنِ عاشقَيْنِ ، يُسمَّيانِ طيورَ الحبِّ ؛ أنظُرْ إليهما . أما الأصفرُ فهو الطّائرُ الزّوجُ ، وأمّا الأخضرُ فهو الطّائرُ الزّوجةُ ؛ وما من حرَكةٍ تقوم بها الزّوجةُ ، إنْ بالجَناحَيْن أو بالعينَيْنِ ، أو بالصّوتِ الرّخيمِ النّاعمِ ، إلّا لتبعثَ الفرَحَ والرّاحةَ في حياةِ الزَّوجِ !
_ إنّهما حقًّا طائرانِ عجيبانِ !
_ ولكَ أنْ تبتسمَ لهما ، وتفرحَ أيضًا لهُما ! فالوفاءُ بينَهما يفوقُ حدودَ المعقولِ ، ومُقدَّسٌ الارتباطُ ، فليس للخيانةِ في تحابِّهما مكانٌ ،وكأنّهما يُكملانِ قَصصَ مَنِ اشتهروا بعلاقةِ حبٍّ مُتَفرِّدَة !!.
_ أَنقصدُ حبَّ عنترةَ العبسيَّ لابْنَةِ عمِّهِ عبْلةَ ؟!
_ ليسَ فقطْ هذانِ ! إنّها قصصٌ عرَفَها التَّاريخُ العربيُّ ، كما عرَفَها الغربُ ، كقصّةِ " روميو وجولييت" ، التي تُشبه مثَلًا قصَّةَ "ليلى والمجنون " ، أو قصّة " ولّادةَ وابنَ زيدونٍ " ، ولأنّها جميعَها تميّزتْ بالحبِّ الصّادقِ ، وما رافقَه من عذابٍ لذيذٍ ، وآلامٍ طيِّبةٍ ، فهيَ ما زالتْ تُغوي قارِئَها بمُلاحَقةِ أخبارِها حتّى اليومَ ..
_ يبدو لي أنَّ معرفَتَكَ بعالم هذَيْن الطّائرَيْن واسعةٌ !.
_ ولِمَ لا ؟ ولكَ أنْ تعرفَ أنّهما طائرانِ لا يفترقان ، بلْ ولا يَحتملانِ الفراَق َ، ولك أنْ تتَصَوَّرَ حالَ كلٍّ منهما لدى افتقادِه شريكَهُ ! فلا تسَلْ عن مستوى الحُزنِ والاكتئابِ التي تلفُّ ، حينئذٍ ، كلَّ نظْرة ٍ أو حَرَكةٍ ، أو نَغَمٍ يصدُرُعنهما ! لولا ذلكَ ، لما سُمِّيا بهذا الاسمِ . وطالما تمنَّيتُ لو يكونُ بنو البَشَرِ طيورَ حُبٍّ ، وتصيرَ الحياةُ أحلى ؟!.
_ دَعِ الطُّيورَ ، ودَعْ معها بني البشرِ. وتَعالَ ، راقبِ الطّبيعةَ مِنْ حولِنا ، فتَراها باعثةً في النَّفسِ دفْءَ السَّعادةِ ونَقاوةَ الإطمئنانِ .
ها هيَ الشَّمسُ ، وإنْ مالتْ إلى الغُروبِ ، قد تكدَّرَت وتدَحْرجَتْ لتترُكَ أشعَّةً مُذهَّبَةً ، راحتْ تتَباطأُ في وداعِها الأرضَ ! وها من حولِنا تتَراقصُ النَّسَماتُ بخفَّةٍ مُتقنَةٍ ، عَزَفَت لها موسيقى الأغصانِ نشيدَ الخُضْرةِ والماويَّةِ !
وها همُ النَّاسُ قد استكانوا لهدوءٍ صامتٍ ، طالما نشَرتْهُ الطَّبيعةُ في أيّامِ الصَّيفِ في الممَرّاتِ وعلى الشُّرُفاتِ ، كما وسَمَت بهِ السُّفوحَ والهضابَ وذُرى الجبالِ !! .
_ إنّهُ حديثٌ رَطِبٌ ، ساقتْني الصُّدفةُ لأُقيمَه معَكَ . قد سُررْت به ، وعسى أنْ تكونَ أنتَ قد ارتحْتَ إليه . تابعْ معَ ضَيفَيْك ، وإلى لقاءٍ !
عبد الله سكرية .

تعليقات