(قراءة مختصرة عن الموسيقى الداخلية والخارجية من خلال تفحص لأبيات من قصيدة الشعرية) بقلم الأستاذ أبو محمد سميح من حساب شخصي يدعى ( سميح عمر هندي )

(قراءة مختصرة عن  الموسيقى الداخلية والخارجية من خلال تفحص لأبيات من قصيدة الشعرية)

من المعلوم....
 ان الشعر: هو الكلام الموزون المقفى المعبر عن دواخل صاحبه ومشاعره تجاه قضية يحسها في نفسه او فيما حوله..على انه ينظم الشعر لاجل التأثير في المتلقي عنه وتثبيت المعاني التي يريدها لديه.
   والشعر انما يفوق النثر لاجل سمات توفرت فيه وقصر عنها النثر. وأبرز هذه السمات موسيقاه التي تتحبب الى النفوس فتطربها وتناجي الآذانَ نغماتها  وتدخل العقولَ ترنيماتُها حتى تصل  الى القلوب  لتحس  بمعاني الشعر الجميل وتحسن اخيلته .
وانما ينجذب المتلقي الى الشعر في غالب أمره  بتلك الموسيقى الصوتية الناشئة من أصوات متناغمة ومقاطع صوتية متسقة ، وذلك حين يكوّن الشاعر  العبارات البليغة  المحتوية على جمال تعبيري  يجذب للقلوب والمشاعر ويجعلها في رنة مؤثرةٍ موسيقاها التي تكون واضحة وخفية في آن واحد ؛ إذ هي لا تتم بمعازف وآلات موسيقية بل تتم بتناغمٍ في أصواتها يهيئ النفوسَ لاستقبالها فيؤدي الشاعر غرضه من خلالها بما يريد اذا تمكّن بجعل هذه الموسيقى تنضم الى ما يريد من معانٍ جميلة بألفاظ بديعة وبطريقة نظم وتركيب أخاذة تكوّن بمجملها مع تلك الموسيقى النغمية وحدة جمال تنعكس تأثيراتها على المتلقي فتجعله ربما يصيح من جمالها بصرخة  لا شعورية تنسيه من حوله- حتى اذا انتبه - لاحظ من حوله متعجبين من صرخةٍ ربما لا يسوّغ له شعورُه المتقد بما سمع أن يعذره  لديهم فيسامحوه على صراخه وهم جالسون مفزوعين من صوته الثائر على حين غرة..
       ألا تلحظ هذا لدى المستذوقين الشعرَ بحق الذين تجعلهم تلك القصائد  يسيحون في الخيال من الجمال الذي يسمعونه أو يصيحون من حرارة الانفعال حينما يحركهم الشاعر المتمكنُ الأمكنُ بأسلوبه الرائق وكما يريد بحلو جمال يؤلفه ، فترى احدهم ربما في قاعة الالقاء يصرخ (أعد أعد) صرخة حق - لا صيحة تفيهق - يبرزها المراؤون الكذابون (عافانا الله وإياكم).
واليكم الآن  بعضا من وجوه الموسيقى الشعرية في تمثيلها على أبيات ستأتي:

موسيقى الشعر :
 الموسيقى الشعرية قسمان داخلية وخارجية.
أما الخارجية فهي موسيقى الوزن العروضي(البحرالشعري) الذي تنظم عليه القصيدة مع قافية البيت التي تنتظم  كل أبيات القصيدة فمثلا بقصيدة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس التي مطلعها:
لكل شيء اذا ما تم نقصانُ
فلا يُغرَّ بطيب العيش انسانُ

نلحظ كيف اختار الشاعر البحر المناسب لموضوعه ، فغرض أبي البقاء في القصيدة هو الرثاء وبكاء مآل حال المسلمين في الأندلس إثر تمكن الصلبيين منهم وأفعالهم الشنيعة بهم بعد ان ظفروا عليهم. والرثاء معناه النوح والبكاء على مفقود غال على القلوب، فماذا كان بحر القصيدة.
اختار ابو البقاء  بحر البسيط وبحر البسيط وزنه العروضي متكون من تفعيلتين تُكرران أربع مرات على التوالي:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
في صدر البيت 
ومثلها في العجز
اذن هو بحر يتضمن حشدا موسيقيا
بتفعيلتين مختلفتين (مستفعلن)و(فاعلن)
وكل تفعيلة بنفسها تحتوي زخما صوتيا مختلفا يتردد فيها الصوت بايقاعاته فلو نظرت الى( مس تف ع لن)بثلاتة مقاطع طويلة
وصوت متحرك قصير..والمتحرك يفصل طويلين..عن ثالثهما.
    أما فاعلن فهي في الوزن جاءت (فاعلن) مراتٍ وجاءت تاراتٍ على(فعلن) مخبونة حذف الساكن الثاني فانتقلت من (فاعلن) الى (فعِلن).وقفلت الأبيات بتفعيلة الضرب (فعْلن)بسكون العين إذن لدينا ساكنات ومتحركات بكثرة في هذا البحر الذي اختاره ابو البقاء الرندي لقصيدته.
ولا شك ان المحزون انما هو بانفعالاته وقلقه تحركه مشاعره اللاهبة الموجوعة  فنتبين فيه أثر الحزن العميق .وبحر البسيط ملائم وموائم لغرض كالرثاء ان يُنسج عليه القصيد الباكي المبكي ؛ لما فيه من زخم صوتي يعبر عن زفرات الأنين والحسرة وزفرة الحنين على شيء عزيز قد فُقِد.
ثم ننظر الى حرف الروي في القصيدة النون بما فيه من غُنَّةٍ مضمومةٍ معبرة عن الأنين الحزين ، كناي يفطر القلبَ نوحُه ومن قبلِه حرف الألف الذي عزز الأنّة كآهةٍ تُظهرُ العاهةَ التي دهت وذلك باجتماعه مع النون المضمومة.
هذا ملخص موسيقى القصيدة الخارجي البحر والقافية.

أما موسيقاها الداخلية:
فنرى كيف عمل النغم عملَه في إبراز الفاجعة الاليمة لا سيما وقد صدّرها الشاعر بحكمة معلومة من تقلبات الزمان بأهله.  انه ليس شيء الا سينمحي ليثبِّتَ تلك الحكمة بتأكيدٍ وإشارةٍ لنتيجة مآلٍ يتحقق بالكل ب( الديار وعامريها) إلى الزوال وانظر الانسيابية الموسيقية في اللفظ الذي كرّس الحالة التي ستؤول باصحابها كما يموج الزمان بأهله في قوله(لكل شيء) ألم تلحظ الصوت في الكلمتين من التموج الذي رسّخته الحركات والشدة في( لكُلِّ شيءٍ)مع انكسار أوحت به الهمزة المكسورة؛ فكأن الحالَ  بالناس يترنّح ثم بالارتفاع بالصوت الذي أدّاه  حرف المد الالف في (إذا)ومن بعده الفعل (تمّ) ستجده ترنُّحاً بعده ارتفاعٌ يقوم بإنزاله الدهر بعد استتمام عُلُوِّه ليرديَه فيئنَّ من وجع انقلاب الحال، كأنه يرزم الاشياء  بما فيها ويجمعها ويكدسها  ويكوّمها ثم يجعلها منفوضة مبثوثة  لتسكن بعد ضجبج كما الجلطة الدماغية المتلفة ليرينا الشاعر  كيف هو الزمان وقد تقلب بالانسان .وكأن صدى الصوت في كلمة( الانسان) بآخر البيت بضمة نونه..(انسانُ)فيها صدى الانين ولوعة الحنين على ما فات ،نرى كل هذا في قوله:
لكل شيء ان ما تم نقصانُ
ليقطع بعد هذا الشك باليقين اذ يجزم النهاية المغرورة بالنتيجةالمهلكة: 
فلا يغرَّ بطيب العيش  انسانُ
نهي بفعل منته بشدة  تثير انتباه المغرور براء متحركةتشعر بعدم الاطمئنان ب(ريب الزمان) بنكرة أوحتها لفظة (انسان)اذ جاءت نكرة كحال المغرور النكرة.

ثم يقول في البيت  الثاني

هي الامور كما شاهدتَها دولٌ
من سره زمن ساءته أزمانُ

وانظر تكرار الشين في البيتين ثلاثا (شيء ، العيش، شاهدتها ) وهو من الأصوات المهموسة وكيف بهمس الحزين وقد ألتاع مع نفسه بشهيق حسِرٍ.
وكم من صوت مهموس في البيتين انظر الهاء والصاد والسين والفاء والتاء والكاف بتكرار لبعضها مع اصوات الجهر كالطاء والدال والنون بتكرار في بعضها وغيرها من حروف جاءت  في البيتين حاكية حالة الحزين الدامع ببكاء وصراخ يتقلب بين غلي الحزن الخفي حينا والصراخ والنواح حينا آخر بشهيق البكاء وأنين الاحتزان..
وانظر الى الصورة القلقلة التي نراها المفزعة بايحاءاتها وصداها حينما يقول ابو البقاء محركا الساكن الطبيعي بانهياله وكيف  يتزعزع الشرود المخيف بثوابته اذ يقول
دهى الجزيرة امر لا عزاءَ له
       هوى له أُحُدٌ وانهَدَّ ثهلانُ
 كل هذا مثلته التفاعيل باصواتها المتغيرة سكناتها وحركاتها
ومثلته ألفاظ معبرة ك(هوى،ودهى)بأصوات الهمس والجهر وانظر الى الهاء ما فعلت في آخرالصدر ( لاعزاء - لهُ-)فهي كالنائحة الثكلى بضمّتها كمن تقول: هووووو بأنينها..
وٱلحظ كيف أوحت الافعال بالحركة (هوى، دهى ،وانهد)  بما هو  ثابت بأسمائه(أُحُد،ثهلان) فثباته تهاوى وانهد...
ثم يقول الرندي:
تبكي الحنيفية البيضاء من أسفٍ
             كما بكى لفراق الالف هيمان
لاحظ كم هي أصوات الهمس مكتظة تعبر عن الأسى(ت.ح.ك.ف.س.ه) وكم مرة تكررت الفاء التي ترسخ بصوتها التأفف والتحسر بعددمتساوٍ اثنان صدراواثنان
عجزا بمقابلة تشبيه موحية..
ومثل ما أوحى السابق من الأبيات يوحي اللاحق منها

اذ يستغيث صناديد الرجال وهم
قتلى وأسرى فما يهتز إنسان..

ترى الحركة كيف تجسدت  فيها الصورة  الأسيفة حين استعمل الافعال التي صورت كيف صار الصناديد(يستغيثون وهم يقتلون)وانظر كيف أسى القوم ثبت بهم حين عمد الشاعر الى استخدام الاسم بقوله  (قتلى وأسرى)

هذه أيها  الأكارم  قراءة لبعض مما أردت ذكره وبدا لي من موسيقى القصيدة الداخلية والخارجية فان كنت مصيبا فمن الله توفيقي وان اخطأت في هذا فرحم الله رجلا نصح فقوم الخلل..
علما أنه منشور  بيّن موسيقى النص بشكل مختصر وبأبيات وزوايا موسيقية مختصرة  . ذلك إن الموسيقى الداخلية أكبر في حيثياتها بكثير مما ذكر فلم نتناول في هذا المقال المتواضع الا بعضا منها ولم نتوسع .. مقتصرين على الاصوات والافعال وبعض من غير هذا  من تلاحم التعبير مع الموسيقى  فلم نعمد الى جوانب أخر كثيرات تحقق  الموسيقى بالنص و بصورة أكبر  في طرفيها الداخلي والخارجي.

((((((((( أبو محمد سميح))))))))))

تعليقات